الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
57
انوار الأصول
الموضوع وهو العرض ، نحو البياض والسواد . الثالث : وجود في غيره لغيره فلا استقلال له لا في المفهوم ولا في الخارج . ولكلّ من هذه الأقسام في عالم اللفظ كلمات تدلّ عليها وما يدلّ على القسم الثالث منها هو الحروف : فهي تدلّ على مفاهيم غير مستقلّة في الذهن والخارج وتكون حاكيات عنها كما يظهر بمراجعة الوجدان ولا تدلّ على الإيجاد أو التضييق إلّا بسبب دلالتها على ما ذكرنا كما مرّ . ولقد أجاد بعض الأعاظم حيث قال : إنّ معاني الحروف غير مستقلّة في أربع جهات : في الوجود الخارجي ، والوجود الذهني وفي الدلالة ، بمعنى إنّ دلالتها على المعاني ليست بمستقلّة فلا يكون لكلمة « في » مجرّداً عن الاسم أو الفعل مدلولًا ، وفي كيفية الدلالة ، فلا استقلال لها في الإفراد والتثنية والجمع مثلًا بل تكون تابعة لموردها ، فإن كان المورد مفرداً تكون دلالتها على النسبة أيضاً مفردة وهكذا . هذا ولكن مع ذلك كلّه فهنا سؤالان نذكرهما ونجيب عنهما : 1 - ما هو الدليل على أنّ الحروف وضعت للقسم الثالث من هذه المفاهيم ؟ فإنّ ما ذكر هو مجرّد دعوى . الجواب : هو بأنّه مقتضى حكمة الوضع ، لأنّا نشاهد في الجمل الخبريّة وغيرها اموراً لا يحكي الاسم عنها ولا الفعل ، فالحكمة تقتضي أن توضع بإزائها أيضاً كلمة كما وضعت للمعاني الاسميّة والفعليّة ، وليست هي إلّا الحروف ، ويدلّ عليه التبادر أيضاً . 2 - ما هو الوجه فيما إذا استعملنا الحروف في الواجب تعالى أو الممتنع ، وقلنا مثلًا : « هو الذي في السماء إله » أو « اجتماع النقيضين في محلّ واحد محال » ، فكيف تدلّ كلمة « في » في الجملة الأولى على وجود نسبة حقيقية بين الواجب والسماء ، وفي الثانيّة على وجود نسبة بين « اجتماع النقيضين » الذي لا وجود له ، و « محلّ واحد » ؟ أليس هذا من المجاز ؟ الجواب : هو أنّ حكمة الوضع في الألفاظ هي رفع الحاجات اليوميّة ، وبالطبع يكون المقياس هو المعاني الممكنة الاعتياديّة ، بل ربّما لم يكن الواضع معتقداً بالواجب ، أو لا يتحقّق له تصوّر للممتنع ، وحينئذٍ يكون الموضوع له للألفاظ هو خصوص الممكنات أوّلًا وبالذات ، فإذا استعمل في الواجب أو الممتنع يوسّع المعنى أو يضيق ، وسيأتي بيانه وتوضيحه إن شاء اللَّه تعالى في مبحث المشتقّ .